إرهاصات فتية...بقلم الشاعرة لمياء بولعراس
قصة قصيرة
ارهاصات فتيّة
غصت الغرفة باصوات لا تدلى بمعاني الكلم المنثور بين الشفاه،غمغمات و همسات بلهجات مخضرمة ...عربية
على عامية وفرنسية متلكئة....بلغ عتبة الباب ولم تستقر
في ذهنه فكرة للتبليغ عن حاله ....تلعثم الوجود ليفصح
عن شعور عميق بالانبتات و التوحد مع تراكمات الهشاشة
...وويلات الحيرة الجارفة معها ليقين يستفسر عن دواعي
تواجده في هذا المكان....لم تتحمل قداماه هذه القامة المرتجفة ...اوشك الوقوع لو لم يسند الظهر على جدار
...طرق باب الغرفة طرقا خافتا فيه الكثير من التردد
والخجل ،لم يتفطن لنقراته احد في البداية ...غير انه
رفع من رباطة جأشه واعاد الكرة مع ركل خفيف على
الباب ....فتح احد هم الباب ليقف مشدوها امام شاب
تلاعبت بجسده الخطوب ...وجه لفحته قتامة ذلك البرود الاروبي ،اصفرار في المقلتين ،حلكة بين قسمات الوجه
تنم عن محاباة الاحتواء مدروءة في لسان اعجزه ثقل
المهانة عن الافصاح بطلب النجدة...اوجس له الهواري الجزائري بالاتكاء على كتفه وهو يشد من ازره «ادخل
يالخو ماخطبك» هرع له البقية ،كل يناشده الاستلقاء
على الفراش والركون للهدوء ،علهم يهتدون الى ادراك
ما حل به...احضر له ياسر الفلسطيني كوب ماء ليبلّ
ريقه ويذهب البعض من تشقق شفتيه المنذرتين بوطأة
جوع تسلل لهذا الجسد الهزيل منشور العظام ....اقترب
منه عبد العزيز السوري لينزع عنه قميصه المبلل بعرق
الحمى التي المت بهذا الزائر الغريب ،مربتا على كتفه
«ياهلا بيك بين احبابك» مدّ له المغربي حسن قميصا
بديلا «ارتاح بالزاف »....شعر بسكينة رغم انهاكه وبدا
يخبر عن حاله والكل له مصغون بانتباه فيه الكثير
من الشفقة المشحونة بمعاني الفتوة ...انا تونسي انقطعت عن الدراسة في سن مبكرة ،كنا على عتبة الفقر...انهك عمل
الحضائر ساعد ابي وانهكتني الظنون في امل الحياة ...خططت لغد افضل علني الحق بركاب العيش
المرفه ...امتهنت الكثير من المهن اليومية لاجمع مبلغ هجرتي السرية نحو لمبادوزا تلك المدينة الراسية على موانئ جودة الحياة ومسامي الاماني....غادرت عائلتي
على حين غفلة ...ركبت قارب الموت ويا ويحي ادركت حقيقته لاحقا ...كنت اظنه قارب النجاة ...انطلقنا بين
زفرات الامواج تتقاذفنا في انين سمعت صداه في
غرغرة رفيق لاجئ وهو يغرق يطلب النجدة ونحن
نذكره بنطق الشهادة بعد انقلاب المركب لا ندرك ان الموت
حتفنا المستعجل، كل يتشهد لنيل الغفران ...لولا القدر الذي
منحني القدرة على السباحة نحو الشاطئ متشبثا ببقايا مركب محطم ...وصلت ولم ادرك انني ساعيش مغبة
الترحال المتخفي من حدود الى اخرى بحثا عن الغد الافضل....هيهات لن استشعره حتى في احلامي ...هي كوابيس رعب ابطالها عصابات الشوارع ...لم اذق طعم الاكل لايام ...ولم يغمض لي جفن .دلني عبد الناصر المصري عليكم ...سبق ان قدمتم له العون وانقذتموه من افتراش الشوارع ...كنتم له بنيانا مرصوصا شديدالعتاد مرفوع الهامة.......اخبرني عنكم وهو عازم العودة لوطنه طرقت بابكم في هذا المأوى العربي ....اخوتي انهكني المرض،تعلقت بشظايا بلور فجرحت في صميم اندفاعاتي
المبهمة البغيضة....اصغى له الجمع وهم مدركون ان قصته
ليست من قصص علاء الدين لا تمت للغرابة بصلة ....تتكرر.
الالياذة في ابعادها الماساوية مع فرحات التونسي ...ينشق
عنها ليبلغ الملهاة و ما ابعد وصالها ..لن يدخل الجمل مسام الابرة قط...تهافت الشبان على انقاذ لاجئهم فهاتف المختار الليبي وهو يضمد بعض الندوب على وجه فرحات سعود »
طبيبا سعوديا من جذور خليجية لم يبخل يوما عن اسعاف من كدرهم السقم ومن اركعتهم الفاقة امام تجاذبات البقاء ...اخوة جثمت في قلوبهم الرحمة.. مفخرة شباب لم يتنصلوا من تشبع الفضائل التي نشأوا عليها...
غدرت بهم ردهات مقفرة من الرجاحة والحنكة او ترامت بين هوادة امانيهم احلام نبوغ وسماقة تميز اجبرتهم على الاغتراب ..واخذ كل يخبر عن سبب تواجده في هذه الديار ذات العماد الايل للسقوط فسقفه ليس بحديد كشان اوطانهم.....قناعة استبطنت مسعفات انتماءاتهم....
...انصت فرحات لمن هجر من وطنه عنوة لجأ مقهورا
لهذه القفار وما خبت شمعة الامل عنده بالرجوع ،يوقدها
بتمثل الخيارات الانجع لاسترجاع الوطن المسلوب عبر
الانضمام لجمعيات فكرية سياسية تسهم في النضال بتوحيد صفوف المقاومة والتخطيط للعودة....سمع عمن نبغ في تعليمه فقرر اللحاق بالسربون عله يكون ذات يوم
علما على غرار الثلة النيرة من المثقفين العرب....أخبر عمن
تالق في دراسة الفيزياء فالتحق بهذه الديار ليتخصص في علم الذرة الا انه قطع عهدا بالعودة لن يكون ممن اثروا بعقولهم هذه البلدان بواقع هجرة الادمغة ....وشاطره الراي
هذا الاخ الباحث في مجال اكتشاف الادوية الناجعة في علاج الامراض المستعصية ابى الا ان يخلص غيره بما ابتليت به امه سرطان فتك بها ويتمه وهو في سنين صباه الاولى...استمتع فرحات بحديث اخر يدرّس تاريخ الحضارات العربية في الجامعة الفرنسية وتخصص في فن العمارة اليمني ،هندسة ريادية في عصرها....واخبر اخر عن لجوئه الاضطراري لضراوة الحرب في وطنه ....اوطان شهدت العزة وكانت رائدة في اثراء التفاعل الحضاري الثقافي بين الامم قديمها وحديثها استباحت لاغراض سالبة مقيتة......
تناسى فرحات همومه وهو يشرب كأس لبن محلى بعسل وبعض التمر ...بياض يهمس بشفافية تلك القلوب المعطاء
دون ابتذال ولا رياء ....سامية سمو نخيل واحات وارفة
تناشد طيبا من غفلات الازمنة المنسية ....ولت ظهرها مدبرة عن موجود تنازل عن اليومي المرير وركن الى احلام
تنازعها ضخات السوابق المنتفضة للواحق صفو تراهن على تلك الفتوة العربية...جابت خياله هذه الخواطر بين غفوة
وحقيقة....فتح عيناه ليجد الطبيب يفحص نبضه مبتسما
له وفي ابتسامته ميثاق الانطلاقة لارهاصات المنشود الافضل
بقلمي الاستاذة لمياء بولعراس 16 اوت 2019
..
ا
ارهاصات فتيّة
غصت الغرفة باصوات لا تدلى بمعاني الكلم المنثور بين الشفاه،غمغمات و همسات بلهجات مخضرمة ...عربية
على عامية وفرنسية متلكئة....بلغ عتبة الباب ولم تستقر
في ذهنه فكرة للتبليغ عن حاله ....تلعثم الوجود ليفصح
عن شعور عميق بالانبتات و التوحد مع تراكمات الهشاشة
...وويلات الحيرة الجارفة معها ليقين يستفسر عن دواعي
تواجده في هذا المكان....لم تتحمل قداماه هذه القامة المرتجفة ...اوشك الوقوع لو لم يسند الظهر على جدار
...طرق باب الغرفة طرقا خافتا فيه الكثير من التردد
والخجل ،لم يتفطن لنقراته احد في البداية ...غير انه
رفع من رباطة جأشه واعاد الكرة مع ركل خفيف على
الباب ....فتح احد هم الباب ليقف مشدوها امام شاب
تلاعبت بجسده الخطوب ...وجه لفحته قتامة ذلك البرود الاروبي ،اصفرار في المقلتين ،حلكة بين قسمات الوجه
تنم عن محاباة الاحتواء مدروءة في لسان اعجزه ثقل
المهانة عن الافصاح بطلب النجدة...اوجس له الهواري الجزائري بالاتكاء على كتفه وهو يشد من ازره «ادخل
يالخو ماخطبك» هرع له البقية ،كل يناشده الاستلقاء
على الفراش والركون للهدوء ،علهم يهتدون الى ادراك
ما حل به...احضر له ياسر الفلسطيني كوب ماء ليبلّ
ريقه ويذهب البعض من تشقق شفتيه المنذرتين بوطأة
جوع تسلل لهذا الجسد الهزيل منشور العظام ....اقترب
منه عبد العزيز السوري لينزع عنه قميصه المبلل بعرق
الحمى التي المت بهذا الزائر الغريب ،مربتا على كتفه
«ياهلا بيك بين احبابك» مدّ له المغربي حسن قميصا
بديلا «ارتاح بالزاف »....شعر بسكينة رغم انهاكه وبدا
يخبر عن حاله والكل له مصغون بانتباه فيه الكثير
من الشفقة المشحونة بمعاني الفتوة ...انا تونسي انقطعت عن الدراسة في سن مبكرة ،كنا على عتبة الفقر...انهك عمل
الحضائر ساعد ابي وانهكتني الظنون في امل الحياة ...خططت لغد افضل علني الحق بركاب العيش
المرفه ...امتهنت الكثير من المهن اليومية لاجمع مبلغ هجرتي السرية نحو لمبادوزا تلك المدينة الراسية على موانئ جودة الحياة ومسامي الاماني....غادرت عائلتي
على حين غفلة ...ركبت قارب الموت ويا ويحي ادركت حقيقته لاحقا ...كنت اظنه قارب النجاة ...انطلقنا بين
زفرات الامواج تتقاذفنا في انين سمعت صداه في
غرغرة رفيق لاجئ وهو يغرق يطلب النجدة ونحن
نذكره بنطق الشهادة بعد انقلاب المركب لا ندرك ان الموت
حتفنا المستعجل، كل يتشهد لنيل الغفران ...لولا القدر الذي
منحني القدرة على السباحة نحو الشاطئ متشبثا ببقايا مركب محطم ...وصلت ولم ادرك انني ساعيش مغبة
الترحال المتخفي من حدود الى اخرى بحثا عن الغد الافضل....هيهات لن استشعره حتى في احلامي ...هي كوابيس رعب ابطالها عصابات الشوارع ...لم اذق طعم الاكل لايام ...ولم يغمض لي جفن .دلني عبد الناصر المصري عليكم ...سبق ان قدمتم له العون وانقذتموه من افتراش الشوارع ...كنتم له بنيانا مرصوصا شديدالعتاد مرفوع الهامة.......اخبرني عنكم وهو عازم العودة لوطنه طرقت بابكم في هذا المأوى العربي ....اخوتي انهكني المرض،تعلقت بشظايا بلور فجرحت في صميم اندفاعاتي
المبهمة البغيضة....اصغى له الجمع وهم مدركون ان قصته
ليست من قصص علاء الدين لا تمت للغرابة بصلة ....تتكرر.
الالياذة في ابعادها الماساوية مع فرحات التونسي ...ينشق
عنها ليبلغ الملهاة و ما ابعد وصالها ..لن يدخل الجمل مسام الابرة قط...تهافت الشبان على انقاذ لاجئهم فهاتف المختار الليبي وهو يضمد بعض الندوب على وجه فرحات سعود »
طبيبا سعوديا من جذور خليجية لم يبخل يوما عن اسعاف من كدرهم السقم ومن اركعتهم الفاقة امام تجاذبات البقاء ...اخوة جثمت في قلوبهم الرحمة.. مفخرة شباب لم يتنصلوا من تشبع الفضائل التي نشأوا عليها...
غدرت بهم ردهات مقفرة من الرجاحة والحنكة او ترامت بين هوادة امانيهم احلام نبوغ وسماقة تميز اجبرتهم على الاغتراب ..واخذ كل يخبر عن سبب تواجده في هذه الديار ذات العماد الايل للسقوط فسقفه ليس بحديد كشان اوطانهم.....قناعة استبطنت مسعفات انتماءاتهم....
...انصت فرحات لمن هجر من وطنه عنوة لجأ مقهورا
لهذه القفار وما خبت شمعة الامل عنده بالرجوع ،يوقدها
بتمثل الخيارات الانجع لاسترجاع الوطن المسلوب عبر
الانضمام لجمعيات فكرية سياسية تسهم في النضال بتوحيد صفوف المقاومة والتخطيط للعودة....سمع عمن نبغ في تعليمه فقرر اللحاق بالسربون عله يكون ذات يوم
علما على غرار الثلة النيرة من المثقفين العرب....أخبر عمن
تالق في دراسة الفيزياء فالتحق بهذه الديار ليتخصص في علم الذرة الا انه قطع عهدا بالعودة لن يكون ممن اثروا بعقولهم هذه البلدان بواقع هجرة الادمغة ....وشاطره الراي
هذا الاخ الباحث في مجال اكتشاف الادوية الناجعة في علاج الامراض المستعصية ابى الا ان يخلص غيره بما ابتليت به امه سرطان فتك بها ويتمه وهو في سنين صباه الاولى...استمتع فرحات بحديث اخر يدرّس تاريخ الحضارات العربية في الجامعة الفرنسية وتخصص في فن العمارة اليمني ،هندسة ريادية في عصرها....واخبر اخر عن لجوئه الاضطراري لضراوة الحرب في وطنه ....اوطان شهدت العزة وكانت رائدة في اثراء التفاعل الحضاري الثقافي بين الامم قديمها وحديثها استباحت لاغراض سالبة مقيتة......
تناسى فرحات همومه وهو يشرب كأس لبن محلى بعسل وبعض التمر ...بياض يهمس بشفافية تلك القلوب المعطاء
دون ابتذال ولا رياء ....سامية سمو نخيل واحات وارفة
تناشد طيبا من غفلات الازمنة المنسية ....ولت ظهرها مدبرة عن موجود تنازل عن اليومي المرير وركن الى احلام
تنازعها ضخات السوابق المنتفضة للواحق صفو تراهن على تلك الفتوة العربية...جابت خياله هذه الخواطر بين غفوة
وحقيقة....فتح عيناه ليجد الطبيب يفحص نبضه مبتسما
له وفي ابتسامته ميثاق الانطلاقة لارهاصات المنشود الافضل
بقلمي الاستاذة لمياء بولعراس 16 اوت 2019
..
ا
تعليقات
إرسال تعليق